في إطار الجهود الدولية لتعزيز الوعي الصحي ومكافحة أخطر أسباب الوفيات المرتبطة بالتدخين، نظّمت جمعية مكافحة سرطان الرئة «برئتين كاملتين» ندوة توعوية موسعة تحت عنوان «عِش الحياة برئتيك كاملتين»، بمشاركة نخبة من الخبراء والأطباء المتخصصين، حيث سلطت الندوة الضوء على التطورات الحديثة في علاج سرطان الرئة، إلى جانب المخاطر الجسيمة للتدخين السلبي.
وشهدت الندوة عرض شهادات إنسانية مؤثرة لأسر فقدت ذويها بسبب التدخين، في محاولة لربط الأبعاد الطبية بالمسؤولية المجتمعية، والتأكيد على أن التدخين السلبي لا يقل خطورة عن التدخين المباشر، لا سيما على الأطفال والنساء وكبار السن.
تطورات علاجية تغير خريطة المواجهة
وأكد المشاركون أن الطب الحديث يشهد نقلة نوعية في التعامل مع سرطان الرئة، مدعومة بتوسع برامج الفحص المبكر واعتماد العلاجات المناعية والموجهة، التي أثبتت قدرتها على تحسين معدلات البقاء على قيد الحياة مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور فلاديسلاف فولاريفيتش، رئيس مركز تقليل الآثار الضارة للمخاطر البيولوجية والكيميائية بكلية العلوم الطبية – جامعة كراغوييفاتس بصربيا، أن دخان السجائر التقليدية يحتوي على آلاف المركبات السامة الناتجة عن الاحتراق، ما يجعله أكثر خطورة مقارنة بالبدائل الخالية من الدخان، رغم أنها ليست خالية تمامًا من المخاطر. وشدد على أن التوعية الصحية المبنية على العلم تمثل ركيزة أساسية لحماية الصحة العامة.
من جانبها، أكدت الدكتورة ميليتسا كونتيتش يوفانوفيتش، رئيسة قسم العلاج الجزيئي والمناعي لسرطان الرئة بالمركز الطبي الجامعي في صربيا، أن الاكتشاف المبكر للمرض يُعد العامل الحاسم في نجاح العلاج، مشيرة إلى أن التوصيات الطبية العالمية باتت تشجع على دمج العلاجات المناعية والموجهة ضمن بروتوكولات العلاج الأساسية.
تقليل المخاطر… مقاربة واقعية للصحة العامة
وناقشت الندوة مفهوم الحد من مخاطر التبغ باعتباره مقاربة واقعية في السياسات الصحية، حيث أشار الخبراء إلى أن الإقلاع الكامل عن التدخين يظل الخيار الأمثل، إلا أن بعض البدائل مثل السجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ المسخن وأكياس النيكوتين قد تمثل خطوة انتقالية لبعض البالغين، شريطة التنظيم الصارم ومنع وصولها للقاصرين.
وأوضحت الدراسات العلمية أن المخاطر الصحية الرئيسية للتدخين ترتبط بعملية احتراق التبغ عند درجات حرارة تصل إلى 800 درجة مئوية، والتي تنتج نحو 6 آلاف مادة كيميائية ضارة، بينما تعتمد المنتجات البديلة على التسخين دون احتراق، ما يقلل – دون أن يلغي – مستويات المواد السامة.
التوعية والتشريع… مسؤولية مشتركة
بدورها، أكدت أوليا تشوروفيتش، ممثلة جمعية «برئتين كاملتين»، أن إدخال برامج الفحص المبكر وتوفير أحدث العلاجات ساعد على مواءمة منظومة الرعاية الصحية في صربيا مع المعايير الأوروبية، متوقعة حصول جميع مرضى سرطان الرئة على أحدث بروتوكولات العلاج قبل نهاية العام.
كما شددت ماريا ماجستوروفيتش لوتشيتش، عضوة الجمعية ومؤسسة موقع Filternativa، على أهمية العمل المشترك بين الدولة والقطاع الصحي والمجتمع المدني والصناعة، للحد من استخدام القاصرين لمنتجات النيكوتين، مؤكدة أن تقليل المخاطر لا يعني التهاون، بل هو التزام فعلي بمفهوم العدالة الصحية.
أرقام تعكس فاعلية الوقاية
وأشارت بيانات رسمية إلى أن صربيا فحصت أكثر من 2,200 شخص من الفئات الأكثر عرضة للخطر خلال العام الماضي، ما أسفر عن اكتشاف 70 حالة إصابة بسرطان الرئة في مراحل مبكرة، في مؤشر واضح على فاعلية برامج الوقاية والكشف المبكر في إنقاذ الأرواح.
ويجمع الخبراء على أن صياغة سياسات صحية فعالة يجب أن تستند إلى الأدلة العلمية لا إلى الوصم الاجتماعي أو المخاوف غير المدروسة، مؤكدين أن مواجهة سرطان الرئة تبدأ بالوعي، وتُحسم بالعلم، وتنجح بالشراكة بين جميع الأطراف.

